الثلاثاء، 1 فبراير، 2011

جدة هذه العروس!

جدة هذه العروس التي أضحت عانسا بسبب عضل ولي أمرها. اضطهدها حتى ما عاد يرغب فيها أحد. أكل خيراتها و تركها كسيحة تواجه مصيرها الأسود وحدها. عذراء؟ لا أعتقد فهي تتعرض للاغتصاب يوميا و على أيدي ذوويها بشهوتهم الحيوانية، نظراتهم المليئة بالخبث و الدنائة و قلة المروة. يقتحمونها يوميا، ينهشون لحمها المحرم، يلتهمون برائتها و ينفثون أنفاسهم الكريهة في وجهها. يلقون منها وطرا ثم يلقونها لقارعة الطريق تلملم جروح نفس منكسرة تعاني ظلم ذوي القربى الأشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند. ما إن تلملم بعثرتها حتى يستدعيها ولي أمرها لشوط جديد من أشواط العذاب. تتسائل و هي تئن تحت جسد مترف مترهل قاس، ما ذنبي؟ بأي ذنب أقتل كل يوم؟

ذنبك يا صغيرتي أنك ولدت في كنف هذه الأسرة السادية. ذنبك أن أهلك ينهشون لحمك بدل أن يدافعوا عنه. ذنبك أن من وضعته الأقدار لك حاميا كان وحشا كاسرا. لم يرحم ضعفك، لم يحنو عليك، لم يقم بواجبه تجاهك. على العكس استغل طيبتك، ثقتك، طهرك و برائتك فغرز فيك خنجره المسموم و أقام الولائم و الليالي الملاح. في كل يوم يستدعيك بحجة مختلفة، إلا أنك تعلمين دائما إلام ينتهي اللقاء. تستحضرين عذاباتك في كل مرة يأتي فعله المنكر، فكأن كل مرة هي كل المرات.

أنهكت جدة. ما عادت تحتمل هذا العذاب. أتطلب الموت؟ أم تصبر على عذابات نفس محطمة حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا؟ لأنها طاهرة، طيبة، بريئة ما تزال تدعوا لهم بالهداية. تدعوا أن تستيقظ ضمائرهم الميتة، تدعوا ربها أن ينزل سكينته عليها و أن يزرع النخوة في قلوب ذويها فيستمعوا لاسترحماتها و يتوقفوا عن اغتصابها. فما عادت حصون جسدها المنهك تحتمل دكا. و ما عادت روحها المنكسرة تحتمل المزيد من الخذلان و الانكسار. و ما عاد في ذاكرتها مكان لتملئه بالمزيد من صور العذاب. تدعو ربها أن يكفوا عنها قبل أن يغضب قلبها عليهم. ما أطهرك يا جدة. رغم كل هذا العذاب ما زال في قلبك مكان لهم. مازال قلبك فتيا نقيا يحمل حبا لمن خانوك.
قومي يا جدة. اغضبي. فهؤلاء لا يستحقون أن تكوني ابنتهم. انفضي عن كاهلك ظلم السنين. حولي مائهم الذي قذفوه في جوفك نارا تحرقهم. لا تدعي لهم بالمغفرة و لا الهداية بل ادع ربك أن يعذب بك كل من كانت له يد في مأساتك. ادع ربك أن يكون دمع عينيك وقود نار تحرق من انتهكوا حرمة جسدك الطاهر. فليكن غضبك كبيرا كما كان ظلمهم كبيرا.

في سلم الطائرة بكيت غصبا بكيت

في سلم الطائرة بكيت غصبا بكيت. كلمات رائعة طلال مداح لعلها تكون أفضل وصف لحال الرئيس التونسي زين العابدين و هو يغادر بلاده شريدا صائعا هائما على وجهه في ليل أظلم. يا ترى ما الذي دار في خلده و هو يستقل الطائرة مطرودا في رحلة طويلة و حيدة موحشة.
مؤامرة! يا ترى كيف تمكن كل هؤلاء الرعاع من التنسيق و الاجتماع و التخطيط ثم التنفيذ، مع أنني كنت أحكم بيد من فولاذ. لا يستطيع مواطن تونسي أن ينطق "زين" إلا اعتقلته و أفراد أسرته و جيرانه و كل من عبر بجواره. كيف إذا حدث كل هذا؟ لعله كان ينظر شزرا لزوجته ليلى الطرابلسي. أنت السبب يا وجه النحس، أنت و عائلتك المصونة، نهبتم البلد و أنا أتفرج عليكم. صحيح أنني نهبت أيضا، لكني رئيس دولة عربية، فإذا كان رؤساء البلديات لصوصا فحري برأس الدولة أن يكون شيخ اللصوص.

أين أذهب الآن. فرنسا! أكيد.فالرؤساء الفرنسيين كلهم أصدقائي كما أنني حاولت جعل المجتمع نسخة من المجتمع الفرنسي و لي في فرنسا أملاك و أطيان. عفوا سيدي الرئيس الطريق إلى فرنسا مقطوع، هكذا قال أحد مساعدي الرئيس، ساركوزي أعلن رفضه استقبال فخامتك، كما أنه أمر المتواجدين من عائلتك على أرضه أن يغادروها على وجه السرعة. لماذا؟ ماذا فعلت أنا؟ أو لم أكن صديقه المقرب؟ صحيح هؤلاء الأوربييون لا أمان لهم. يقولون فخامة الرئيس في فرنسا أنهم لا يريدون أي إحراجات مع الجالية التونسية لديهم. تبا لهؤلاء الرعاع، ألا يتركونني في حالي؟ ألم أترك لهم البلد كلها، عساها أن تولع بهم؟ فلتذهب فرنسا إلى الجحيم. اطلبلي بيرلسكوني حالا. آسف سيدي، هاتف بيرلسكوني خارج التغطية، كما أنه بعث برسالة نصية قائلا أنه الآن يحتفل بعيد ميلاده و ليس لديه الوقت ليضيعه في استقبالك، كما أنه يخشى أن تقيم في إيطاليا بصورة غير شرعية حيث أنك لا تملك تأشيرة دخول و إيطاليا في غنى عن زيادة أعداد المهاجرين اللذين ساهمت سياستك في هجرتهم الجماعية لإيطاليا.

و العمل؟ تبا لهؤلاء الأوروبيين، ليس لهم صاحب و لا ملة. سأتصل بأصدقائي الرؤساء العرب. آه من عساني أن أطلب؟ أطلبلي حسني فهو الوحيد الذي بيننا عيش و ملح منذ قديم الزمان، أما الآخرين فهم أطفال و لا أعرفهم حق المعرفة. تفضل فخامتك، الرئيس حسني مبارك على الخط. "حسني أنجدني، أنا واقع في عرضك كما تقولون في مصر" أنجدني استقبلني عندك. الناس أكلت وجهي و لعل هؤلاء الرعاع الآن يتندرون على حالي و يطلقون نكاتهم و يصوبون سهامهم في صدري. "هو أنا ناقصك يا عم انت، أنا لايص مع المسيحيين و الصعايدة، و لو استقبلتك لن يرحمني أحد فالشعب المصري عايز جنازة و يشبع فيها لطم و مش بعيد تلاقيني جنبك أدورلي على بلد يستقبلني أنا كمان" و لكن يا فخامة الرئيس.... "زين..زين.. مش سامعك.. الخط قطع"

أكاد أجزم أن الرئيس التونسي قد انهمر من عينيه الدمع أنهارا و هو يرى الكل يتخلى عنه. لفظه الشعب، و رفض الجميع استقباله. لا أحد يريد أن يراه و كأن به جذاما. ما الحل؟ أيعقل أن أواجه الصياعة و أنا في هذا العمر؟ لقد تعود جسمي على العيشة الناعمة. و حتى لو قبلت أن أعيش كما يعيش هؤلاء الرعاع فأنا في النهاية عسكري، لكن هذه الحيزبون التي بجواري لن ترحمني و ستحيل حياتي جحيما. وجدتها، ليس لي غيره..خادم الحرمين. جابر المطرودين من الرؤساء و القادة لعله يستقبلني كما استقبل عيدي أمين و نواز شريف و الشيخ خليفة. لعلنا نسكن معا في مجمع سكني واحد فيواسونني و يساعدونني لأتأقلم مع الحياة كرئيس خالي شغل. و في سلم الطائرة بكيت غصبا بكيت...................

إذا الشعب يوما أراد الحياة

إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر و لابد لليل أن ينجلي و لابد للقيد أن ينكسر. كلمات شدى بها أبو القاسم الشابي منذ زمن بعيد إلا أنها اليوم أضحت حقيقة ماثلة للعيان بأيدي التونسيين. إن كان أجمل الشعر أكذبه فإن أعظم الشعر أصدقه. منذ أسبوع فقط لو قال أحدهم أن الرئيس التونسي سيهرب تحت جنح الظلام راضخا لإرادة شعبه بعد اضطرابات هائلة سيوسم بالجنون حتما، سيوصف بالسذاجة و الغباء و قلة الفهم بالمتغيرات الاستراتيجية و المعطيات السياسية التي يجب توافرها لأي تغيير من هذا النوع.

إلا أن الشعب التونسي العربي الأبي ولله الحمد لم يقم وزنا لموازين القوى و الاستراتيجية الحتمية و الخطط الخمسية و كل هذا التنظير الذي يؤدي إلى إضعاف الهمم و هزيمة الروح، لم يستمع لآاراء المثقفين و الخبراء التي تقرع أي تحرك شعبي للتغيير، لم يلق بالا للفقهاء الذين حرمو التظاهر و الخروج إلى الشارع للمطالبة بالحقوق، و قام بالتغيير بيده ليثبت أن الشعب دائما هو الحلقة الأقوى عند حساب موازين القوى. إلا أن البعض يتناسى ذلك عندما تسكره سطوة المال و قوة السلطة و سعة بال الشعب فيظن أنه ظل الله في الأرض و الحاكم بأمره حتى يجد نفسه يوما هاربا مطرودا يتوسل مطارا يستقبل طائرته و بلدا يؤي روحه البائسة و هو منذ أيام قلائل كانت الدنيا كلها منزله و العباد كلهم عبيده.

أثبت التونسيون أن الرهان على السلطة والمال و القمع و التنكيل هو رهان خاسر و أن الرهان على قوة الشعب هو الرهان الكاسب و إن طال الزمن و بلغ اليأس من التغيير مبلغه. و عند هذه النقطة بالذات دائما يولد من رحم هذا اليأس أمل حقيقي تراه ماثلا أمامك يمحو كل ما كان قبله و تنجلي حقيقته راسخة و يصبح ما قبلها سرابا كأن لم يكن.
صورة مع التحية لكل من يظن أن الشعب العربي مات، و أنه مشغول بلقمة عيشه لا يريد من الدنيا إلا الستر، و أن الحرية و الديمقراطية و الكرامة كلمات لا تعني له شيئا. صورة مع التحية لكل من يعتقد أنه ظل الله في الأرض و أن الشعب ما هو إلا مجموعة من الرعاع خلقت لتنفذ مشيئته و تأتمر بأمره. و أنصح هؤلاء أن يفيقوا بسرعة من هذا الوهم و لا يرتخوا ظنا أن المال و الحرس و العلاقات الدولية ستحميهم أبدا من غضبة الشعب و إلا سيجدون أنفسهم ذات يوم على متن طائرة في جنح الظلام هاربين يبحثون عن مطار يستقبلهم و أرض تؤي أجسادهم المترفة.

المواطن مصري

المواطن مصري. الفقر أبي و المأساة أمي. لقمة العيش همي . المهنة، اليوم شيال و كنت عاملا مرة ، و اشتغلت في تكسير الجبال زمنا. لكن الأصل فلاح ابن فلاح. من هذه الأرض خلقت وبها أعيش و عليها حياتي و إلى جوفها عائد. الرزق قليل لكن الرضا طبعي. الوجه كالح، أسمر، و الزمن حفر بتعب السنين على الوجه تجاعيد كينابيع نهر جففت شمس الصحراء ماءه. العيون تبدو منطفئة لوهلة، لكنها تخفي في محاجرها ضياء شموس الكون، و ذكاء فطريا كامنا في سوادها، و عنادا أزليا قدم الأرض.

مع أني فقير لكني فخور، فأنا مصري في القرآن مذكور اسمي. و من كلمات الله وصفي. فأنا خير أجناد الأرض في سوادي خير للناس كافة، تبوأ منها موسى لقومه بيوتا. و أوصى يوسف أبويه أن ادخلو مصر إن شاء الله آمنين. بمصر كان إبراهيم الخليل، و اسماعيل، و إدريس، و يوسف، و يعقوب، و الأسباط. وصفها عمرو ابن العاص فأبدع مصر تربة سوداء و شجرة خضراء. بيدي هاتين حفرت تربتها فأخرجت بقلها، و فومها،وقثائها،و بصلها،و عدسها.

أنا المواطن مصري. مرت علي السنون العجاف أزمنة، و الهموم من الجبال رواسي، فما كسرت عزتي و لا انحنت للأقدار هاماتي. طواغيت هنا كانوا. بالذل و الإخضاع حكموا، خوازيقا في البطون دقوا، قي القتل و التنكيل أبدعوا، كم زرعا أحرقوا، كم نفسا قتلوا، كم تنمردوا و تجبروا. أين هم اليوم؟ هل على الخلود السرمدي حصلوا؟ أم في غياهب الذل جعلناهم حتى كأن لم يكونوا؟ أنا التاريخ بأناملي السمراء على ورق البردى كتبته. فما ارتعشت أصباعي عند الهزائم و لا انكسر قلمي من فرط انتصاراتي.

و أنت يا سيدي طاغوت آخر. استحقرت فقري و رقة حالي. أسأت في صبري الظن و أعماك عني غرور جبروتك الآني. أنستك سني عمرك الطويلة أنك مثلهم فان. أنا حر، ولدت حرا و عشت حرا و أموت حرا إن الموت ناداني. خدعتك من المنافقين ابتساماتهم، و غطى لغط لهوكم عن الأسماع صوتي. في صدري أزمنة من القهر، و بين أضلعي حملت ظلمي، في قلبي سننت كراهيتي. تركتكم في طغيانكم تعمهون. أرقبكم. أسل سيفي ذبحا أجهزكم. لن أرحمكم. فليس من شيم المصري أن يترك للزمان ثأره. ما إن تركن للرخاء زبانيتك و تظن أنك للخلود ماض حتى أنفض عن هامتي غبارها و أفتح للنيران صدري. سيهرب زبانيتك. سأكسر قيدك الذي أدمى معصمي ستذهب خائبا ذليلا كسيرا كما ذهبو فلن يبقى غيري. أنا المواطن مصري.

السبت، 25 ديسمبر، 2010

زمن القرش

دائما ما تختلف نظرة الانسان لنتائج الأحداث المحيطة به بحسب موقعه منها, فان كان في موقع الفاعل تكون النتائج على الأغلب ذات فائدة ما له, أما ان كان في موقع المفعول به فعلى الأغلب تكون النتائج على عكس ما يتمنى الا اذا قدر له أن يتغير موقعه الى الفعل بدلا من تلقي الفعل فعندها يصبح قادرا على التأثير على النتائج نوعا ما. فعندما يتحالف المال مع السلطة تكون النتائج رائعة و براقة و المكاسب هائلة بالنسبة لمن هم في موقع الفعل, أي داخل الحلف. و تكون النتائج كارثية و تهدد كل اشكال الحياة اذا حكمت الأقدار أن تكون على الجانب المتلقي للفعل أي خارج تحالف السلطة و المال. فاذا كنت من سكان حي الرويس فموقعك بالتأكيد سيكون على الجانب المتلقي لفعل لا تملك من أمر رده قوة و لا بأسا, و النتائج لهذا الفعل هي بالتأكيد كارثية بالنسبة لك. أما اذا كنت على الطرف الآخر من المعادلة؛ المال و السلطة فستشعر أن الأقدار تتبسم في وجهك و أن الدنيا قد فتحت لك خزائنها لتغرف منها بكلتا يديك فأنت في موقع التأثير و التطوير الاستثماري و الكسب المريح. كل ما عليك فعله هو انشاء شركة عالمية للتطوير العقاري. ثم ابحث عن منطقة ذات بعد استثماري كحي الرويس التاريخي بموقعه الاستراتيجي تمكنك من تحقيق أرباح خيالية في زمن قياسي. بعد ذلك ما عليك الا أن تستصدر فرمانا ممن بيدهم الحل و الربط يوحي ظلما و بهتانا بعشوائية هذه المنطقة و حاجتها الى التطوير العقاري. و لا مانع من دعم مشروعك بحملة اعلامية تركز فيها على عشوائية المنطقة و انتفاء أسباب الحياة فيها, فكل مستثمر محترف يعي تماما أن الاعلام هو الشريك الاستراتيجي للاستثمار و الضلع الثالث لمثلث السلطة و المال. ستدور العجلة بعد ذلك و بمساعدة الأيدي الخفية ستتمكن من نزع ملكية البيوت و الأراضي من ملاكها الأصليين بفضل الفرمان المذكور أعلاه. و ستضطلع الأيدي الخفي بالدور المناط لها و ذلك بتعطيل الخدمات في هذه المنطقة للضغط على سكانها الرافضين الخروج منها. و لأن شركتك العالمية, بشركائها العالميين في صفاتهم المتنفذين باعتبارهم, هي شركة وطنية هدفها التطوير فقط فستقوم بتعويض هؤلاء المساكين بمبلغ تحدده جنابك و لن يلومك فيهم أحد. و لم الملامة و أنت قد عقدت العزم على التطوير و التعمير و انقاذ المنطقة من براثن العشوائية و الغوغائية. صحيح أنك نزعت ملكا ليس لك بالغصب و ضد رغبة الملاك الأصليين, و صحيح أيضا أنك لم تطور هذه المنطقة لسكانها الأصليين, و الأصح أيضا و أيضا أنك لا تلقي بالا لمصير هؤلاء "الغلابة" الذين لن يجدو مكانا يؤيهم بفضل تعويضك المالي الشحيح. الا أنك يا سيدي رجل الأعمال المسؤول (و هي صفة اعتبارية جديدة) تقوم بعمل عظيم و لابد لكل عمل عظيم من ضحايا هكذا تعلمنا في المدارس. فما المانع أن تكون ضحايا التطوير و التعمير بضع مئات من العائلات المغلوبة على أمرها تنزع منها أملاكها و تكدس في حي آخر أشد غلبا مقابل أن تصبح منطقتهم جنة الله في الأرض. فعلى أنقاض هذه العشوائية المزعومة ستقام منطقة راقية بمحال تجارية عالمية و مطاعم و مقاه غاية في الذوق الرفيع و ستباع الأراضي التي اشتريت بالتراب بأضعاف مضاعفة ستجعلك و المتنفعين من أثرياء العصر. و سيقوم السكان الجدد اللذين سيستوطنون هذا الحي ببناء قصور غاية في الروعة و البناء يحتاج لمقاولين و المقاول يحتاج لمعدات و كل هذا مال سيتنقل بين الأيادي السمينة. و لن يكون هناك مكان في هذا المجتمع الجديد للوجوه الرثة المثقلة بالهموم الا اذا كان تواجدها على سبيل خدمة المستوطنين الجدد. في الختام أوجه كلامي لك يا سيدي رجل الأعمال ذو المنصب أن المشروع ناجح و بكل المقاييس من الناحية التطويرية الاستثمارية البحتة, الا أنه فاشل من المنظور الانساني, التاريخي, و الأخلاقي. الا أن المنظور الأخير غير ذي أهمية بحكم أننا في زمن القرش.

الأربعاء، 5 مايو، 2010

و رحل الولد الشقي

و رحل الولد الشقي بعد رحلة طويلة في بلاط صاحبة الجلالة. رحل هكذا بكل بساطة. غيبه الموت و إن كنت أشعر أن روحه المرحة ما زالت تروم أزقة الجيزة و أنه من مكانه الآن مازال يسخر من الأوضاع المقلوبة و يتتريق علينا جميعا بأسلوبه الذي يقطر سخرية. رحل صعلوك من صعاليك الحياة، بل هو في نظري عميد الصعاليك. محمود السعدني هو امتداد لعبدالله النديم الذي جالس الحشاشين في غرزهم نام مع الحمالين في عششهم و رغم بساطته و صعلوكيته كان له عظيم الأثر على قلوب الجماهير لدرجة أن المستعمر نفاه و سجنه و أبعده. و هكذا كان الولد الشقي، عاش حياته بالطول و العرض و رمى نفسه هكذا في خضم بحر الدنيا غير عابئ بالعواقب. لم يترك زقاقا من أزقة الجيزة إلا كانت له فيه حكاية و لا قهوة من القهاوي التي يرتادها الصنايعية و الذين هم على باب الله إلا و فيها من يحبه و يسأل عنه. ترك لنا تجربة مثيرة غنية بالعمق فالولد الشقي خالط الجميع و جالسهم من رؤساء الدول إلى سكان العشش و من أعلام الأدب إلى رواد الغرز وأثر فيهم جميعا دون استثناء. رحل الولد الشقي و ترك لنا بين ثنايا أحرفه الرشيقة تجربة عريضة نتعلم منها. كان بأسلوبه اللاذع السخرية الشديد العمق أيضا ينفذ إلى القلوب مباشرة لأنه عبر عما فيها بوضوح دون مواربة، بمهارة الصائغ المحترف و هو يصنع من الأحجار الجامدة تحفا فنية. جاب أرض الله الواسعة من أقصاها إلى أقصاها، من النجوع و الكفور إلى القرى و البنادر و من أحراش أفريقيا إلى جامعات أمريكا و له في لندن حكايات و روايات و في العراق عاش عمرا و على شاطئ الخليج تسلطح و في شوارع فرنسا تمخطر، ابن عطوطة كما وصف نفسه. ترك لنا كتبا تعد أعلاما في أدب الرحلات. صعلوك سليط اللسان حتى رؤساء الدول لم يتركهم في حالهم. سجنه السادات و أبعده، حاربه القذافي تآمر عليه بعض أصحاب النفوذ هنا و هناك إلا أن الولد الشقي خرج من كل ذلك زي الشعرة من العجين رحلو كلهم و بقي قلم السعدني شاهدا على عصره. أثخنته جراح المنفى، عذابات السجن و لوعة الغربة، ألم التجاهل و عدم التقديرإلا أن كل ذلك لم يكسر نفس الولد الشقي بل أنه حول كل هذه التجارب كتبا لا تقدر بثمن. أخيرا آن للولد الشقي أن يستريح تاركا خلفه أناسا يتتبعون الطريق مستدلين بقبس أضاءه السعدني و دروبا مهدتها كتبه و أفكاره. تفتقد اليوم الشفاه ابتساماتها و تبكيك أزقة الجيزة و حواريها و ترثيك قلوب أثرت فيها و إن لم تكن قد التقيتها قط. فطوبى للساخر الكبير و طوبة لمن لم يفهم؛ على طريقة عمنا محمود السعدني...

الأحد، 25 أبريل، 2010

تائهون على الطريق في أمريكا

طالعتنا الشاشة الأجمل و الأمثل و الأكمل و الأفضل ببرنامج جديد اسمه على الطريق في أمريكا و بينما الهدف المعلن من البرنامج و كما جاء على لسان صانعيه هو إزالة سوء الفهم عند الأمريكيين و نقل الصورة الحقيقية الإيجابية عن العالم العربي, كما سيتم نقل الصورة الإيجابية عن الغرب و تعريف العالم العربي بالإيجابيات لديهم, إلا أن الهدف المخفي لا ينطلي على كل فطين و هو الترويج لفكرة التطبيع مع دولة اسرائيل العربية الشقيقة و أن الإسرائيلييون ما هم إلا بشر مثلنا يضحكون و يحزنون, يأكلون و يشربون, مثلنا تماما. فسبحان الله, معظم من قابله هؤلاء الضائعون على الطريق في أمريكا كان اسرائيليا من سائق التاكسي مرورا بالمزين إلى قائد الهيلوكوبتر فجلوسا عند عائلة يهودية داعمة لإسرائيل فتناول لطعامهم لا مانع, و كأنه لا يوجد في أمريكا إلا الإسرائيلييون. و يا ليتهم قاموا بلقاء البروفيسور اليهودي نورمان فينكلستاين و الذي كرس حياته و محاضراته لمحاربة ظلم الصهاينة و تعرية حقيقتهم البغيضة, إلا أن لقاء كهذا من شأنه أن يفسد الهدف السامي من البرنامج. كما أننا نحن العرب لسنا بحاجة لمن يعرفنا بالثقافة الغربية و إيجابياتها, ما عليك إلا أن تفتح شاشة التلفاز على أي قناة عربية فتشاهد البرامج الغربية و السلوك الغربي و الحياة الغربية و طريقة التفكير الغربية. كان من الأجدى لصناع القرار في شاشتنا الحبيبة أن يرتبوا لبرنامج على الطريق في العالم العربي و يكون الهدف منه البحث عن العرب المهددين بالانقراض ثقافيا و فكريا و نفسيا بل و فسيولوجيا إن شئت. و لا أعلم كيف سيتم نقل الثقافة العربية و إيجابياتها إلى الأمريكيين, أعن طريق رقص فتيات العرب في صالات القمار مع الراقصات؟ أم عن طريق شرب الكحوليات في البارات و التسنكح مع المتسنكحين في الحفلات الصاخبة؟ و لا مانع من زيارة مغنية روك أمريكية فاشلة لم يسمع بها أحد لتحاور الشابات العربيات و تعطيهم الدرر عن الآخر و تقبل الآخر لترد عليها الماجدة العربية بالقول أنه هناك عرب متحضرون يتذوقون فن الروك و أن هناك مناطق عربية لديها الاستعداد لاستضافة حفل صاخب لهذه المغنية يحضره نخبة المجتمع و الصحافة. و إمعانا في اثبات هذه الحقيقة لا مانع من ان تقوم احدى المشاركات بالغناء على المسرح فتمسك بالمايك و تقفز و تحزق فشر قرد يؤدي رقصة عجين الفلاحة, و بهذا يتم نقل صورة إيجابية عن المرأة العربية فهي لا تقل عن نظيرتها الأمريكية في اللهو و المرح. البرنامج هذا و باختصار شديد هو محاولة رخيصة للتملص من كل ما هو عربي و التكريس لجيل جديد من العرب الغربيين الذين يتحدثون الانجليزية بطلاقة و لا مانع من حشر كلمة عربية أو اثنتين خلال المحادثة للحفاظ على الهوية, بالإضافة إلى عملية غسيل مخ معتبرة تقضي على البقية الباقية من عروبة و تاريخ و كلام فارغ لا مكان له في العالم الجديد. و لهؤلاء أقول , إنها كمحاولة الفأر أن ينسلخ عن جلده و ينضم إلى عالم القطط و هي محاولة ستبوء بالفشل بكل تأكيد فمهما حاول الفأر أن يتشبه بالقطط سيبقى في نظرها صيدا حلالا تلتم حوله ساعة الغداء, و الأجدى للفأر أن يبتعد عن القطط و يجتهد في حماية نفسه و إلا وجد نفسه لقمة سائغة بين أنياب قط جائع.